
حين يصبح السلاح ضرورة .. رجال الأمن بين نار المسؤولية وقيد القانون
تتنامى مشاهد العنف في الشوارع المغربية بشكل مقلق، حيث لم تعد الاعتداءات بالسلاح الأبيض مجرد حوادث معزولة، بل تحوّلت إلى ظاهرة يومية تنقلها وسائل الإعلام المحلية والوطنية، في مشاهد تعكس خللًا عميقًا في الإحساس العام بالأمن وتطرح أسئلة جوهرية حول قدرة الدولة على فرض النظام وحماية المواطنين.
هذه الاعتداءات، التي كثيرًا ما تتسم بعنف مفرط واندفاع دموي، ترتبط في الغالب بتعاطي المخدرات القوية والأقراص المهلوسة. وتجاوزت مجرد السرقة لتصل إلى الاعتداء الجسيم، بما في ذلك التسبب في إعاقات دائمة أو بتر أطراف ضحاياها، دون تمييز في الجنس أو السن، وحتى عناصر الأمن لم يسلموا من هذا العنف الأعمى الذي يشكل تحديًا صارخًا لهيبة الدولة ولسيادة القانون.
وراء هذا المشهد المتأزم، تقف تحولات سوسيولوجية عميقة، ناجمة عن تفكك الروابط الأسرية، وتدهور المنظومة التعليمية، وتراجع القيم الأخلاقية والدينية، خاصة في أوساط الشباب. كما لا يمكن إغفال التأثير السلبي لبعض الإنتاجات الفنية والإعلامية التي تروّج للعنف في صورة بطولة زائفة، ما يزيد من تأزيم الوضع الاجتماعي والأمني.
في خضم هذا الواقع المتدهور، يطفو على السطح سؤال شائك: كيف يمكن تحقيق التوازن بين حماية المواطن واحترام القانون؟ وهل من المقبول أن تُكبّل يد رجل الأمن أمام مجرم مسلح بدعوى احترام المسطرة القانونية؟ أم أن حماية الأرواح تستدعي أحيانًا قرارات حاسمة، حتى لو استُعمل فيها السلاح؟
لقد فقد عدد من عناصر الأمن حياتهم أثناء أداء واجبهم، أو أصيبوا بجروح خطيرة وهم يحاولون صد مجرمين لا يترددون في اللجوء إلى العنف القاتل. ورغم ذلك، فإن حمل السلاح الوظيفي لا يُعد امتيازًا مطلقًا، بل هو أداة تدخل مشروطة، لا تُستخدم إلا في إطار القانون، وتحديدًا وفق مقتضيات الفصلين 124 و125 من القانون الجنائي المغربي، اللذين ينصان على أن استعمال القوة لا يكون مشروعًا إلا في حالات الضرورة القصوى، وبما لا يتجاوز حدود الدفاع الشرعي.
إن الخيط الفاصل بين أداء الواجب والتجاوز يظل رفيعًا، ويضع رجل الأمن في مواجهة مستمرة بين نار المسؤولية أمام خطر داهم، وقيد قانوني صارم قد يُعرضه للمساءلة في حال إساءة استعمال السلاح.
الرهان اليوم ليس فقط على تمكين رجال الأمن من أدوات قانونية فعالة لحماية أنفسهم والغير، بل أيضًا على تفعيل سياسات شاملة تعالج جذور الظاهرة، وتُعيد الاعتبار لقيم المواطنة والانضباط، في أفق مجتمع آمن لا يُضطر فيه رجل الأمن إلى أن يُشهر سلاحه دفاعًا عن نفسه أو عن مواطن أعزل.