
جيل Z المغربي.. حين خرج المستقبل إلى الشارع
لو عاد الزعيم علال الفاسي إلى الحياة اليوم، لربما ردّد عبارته الشهيرة: “لقد أدخلنا الحكومة في إطار الملكية الدستورية، وها نحن ننزل إلى الشارع احتجاجًا”.
لكن هذه المرة لم ينطقها هو، بل عبّر عنها فعليًا جيل جديد، جيل أبناء أحفاده، الذين قرروا أن يرفعوا أصواتهم بطريقتهم الخاصة.
ما شهدته البلاد خلال هذا الأسبوع لم يكن مجرد احتجاج عابر، بل حدث غير مسبوق، جعل اسم المغرب يتردد في نشرات قنوات لم تكن يومًا تهتم به. فشباب “جيل Z” اختاروا الخروج إلى الشارع، بعد أن انطلقت دعوتهم من منصات رقمية جديدة لا يعرفها حتى جيل “الفايسبوك”، ليعبروا عن رغبتهم في العيش بكرامة وفي ظل استقرار اجتماعي واقتصادي يوازي ما يحلم به أقرانهم حول العالم.
لكن المقاربة الأمنية التي تبنّتها الدولة في التعامل مع هذه الحركة الشبابية كانت قاسية، وأدت إلى انفلاتات وأعمال شغب شوهت الطابع السلمي للمشهد وأربكت الرأي العام.
هذا الجيل لا يبحث عن “زورو” جديد يقوده، لأنه ببساطة جيل منظم افتراضيًا ومتصلاً رقميًا، قادر على التواصل والتعبئة دون حاجة إلى زعيم أو حزب. إنه جيل لا ينتظر نشرات الأخبار ليعرف ما يجري، ولا يثق كثيرًا في الخطاب الرسمي أو السياسي، بل يبني وعيه من العالم الرقمي المفتوح أمامه. ومن هنا جاءت ردود أفعال بعض الغاضبين، ممن انحرفوا عن سلمية الاحتجاج نحو العنف والتخريب، وكأنهم يوجهون رسالة رفض واضحة لمنظومة لم تعد تقنعهم.
ورغم اختلاف التأويلات حول ما وقع – بين من يرى أنه تعبير مشروع عن مطالب اجتماعية، ومن يعتقد أنه تحريك من أطراف خفية – فإن الأكيد هو أن المغرب يعيش منعطفًا جديدًا في علاقة الدولة بشبابها. فكما يقول المثل الفرنسي: “الغسيل المتسخ يُغسل داخل البيت”، والأمل أن تبقى هذه الأزمة داخلية، وأن تُعالج بالحوار والتفهم لا بالعقاب والمواجهة.
الصدمة الكبرى ليست فقط في الأحداث ذاتها، بل في الصورة التي رسمت عن المغرب في الخارج. فكل الجهود التي بُذلت خلال العقد الأخير – من دعم المؤسسات الإعلامية، وتمويل حملات القوة الناعمة، والاستعانة بمكاتب اللوبيينغ لتلميع صورة المملكة – تضررت خلال يومين من الفوضى، وأُهدرت معها سنوات من العمل والمال العام.
لقد أظهرت هذه الاحتجاجات أن التحول الجيلي والرقمي أسرع من قدرة الدولة على مواكبته، وأن لغة السلطة القديمة لم تعد تصل إلى جيل يعيش في عالم بلا حدود، يصنع أخباره بيده وينشر رأيه في لحظة.
إنه جرس إنذار، لا من أجل الخوف، بل من أجل الفهم: فجيل Z ليس عدوًا، بل مرآة للمستقبل الذي يقترب، وعلى الدولة أن تتعلم كيف تخاطبه بلغته، لا أن تحاسبه على صمته أو على صرخته.