
جيل الفرص الضائعة؟ التكوين المهني في مواجهة تسونامي التحول الرقمي
في زمن تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي بشكل غير مسبوق، يطرح هشام صابري، كاتب الدولة المكلف بالشغل، سؤالاً محورياً: هل ما زالت منظومة التكوين في المغرب، كما نعرفها اليوم، قادرة على مواكبة التحولات العميقة التي يعرفها سوق الشغل؟
خلال ندوة نظمتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسلا، بشراكة مع مؤسسة الفقيه التطواني والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، شدد صابري على أن التكوين يشكل ركيزة أساسية في تمكين الشباب اقتصادياً، غير أن الإشكال يكمن في مدى ملاءمة هذا التكوين للتحولات الجذرية التي يشهدها العالم، لا سيما في ظل بروز تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت تهدد استقرار عدد من المهن التقليدية.
وفي هذا السياق، استدل صابري بتجربة “المحامي الآلي” في الولايات المتحدة، والذي استطاع أن يكسب جميع القضايا المرتبطة بحوادث السير، ما يطرح تحديات وجودية أمام مهن قانونية تقليدية. وأضاف أن النظام التعليمي المغربي ما زال يعتمد على مناهج وأساليب قديمة، ما يعرقل التفاعل السريع مع المتغيرات التكنولوجية، داعياً مختلف الفاعلين إلى التحرك الجماعي لصياغة رؤية جديدة تضع المغرب في موقع الريادة بدلاً من ردود الفعل المتأخرة.
ولأن الاستثمار يشكل بوابة التشغيل، أكد المسؤول الحكومي أن ضعف الاستثمار يوازيه ضعف في خلق فرص الشغل، مستعرضاً عدداً من البرامج التي أطلقتها الحكومة في محاولة لردم الفجوة، مثل “أوراش”، “فرصة”، و”الجيل الثالث من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، فضلاً عن توفير تمويلات ميسرة من خلال برامج كـ”انطلاقة”.
إلا أن صابري يرى أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في التمويل أو المبادرات، بل في غياب منظومة فعالة للمواكبة، تبدأ من التوجيه المدرسي في مرحلة الثانوي، وتستمر في الجامعة والتكوين المهني، بهدف بناء مسار واضح ومتكامل للشباب نحو الاندماج في الحياة المهنية.
من جانبه، أشار محمد الدراوي، رئيس مصلحة تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي بعمالة سلا، إلى أن التمكين الاقتصادي في المغرب ليس ظرفياً، بل هو مسار مستمر منذ إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مؤكداً أن المرحلة الثالثة منها ركزت بشكل خاص على الشباب عبر إحداث منصات الإنصات والتوجيه والدعم.
أما بدر الزاهر الأزرق، أستاذ الاقتصاد بجامعة الحسن الثاني، فلفت الانتباه إلى الإشكالات المرتبطة بتقييم أثر هذه البرامج، موضحاً أن الرهان لم يكن فقط خلق مقاولات، بل ضمان استدامتها ومساهمتها الفعلية في خلق الثروة وفرص العمل. وأكد أن التركيز على التمويل وحده دون تقوية قدرات الشباب أو غرس ثقافة ريادة الأعمال هو ما أدى إلى فشل العديد من المشاريع.
واختتم الأزرق بالتنبيه إلى أن المغرب استنزف قرابة أربعة عقود في تجريب برامج المواكبة، من دون نتائج ملموسة على مستوى التشغيل، داعياً إلى ثورة فكرية وتكوينية، تبدأ من التعليم وتنتهي بمنظومة اقتصادية تتبنى الابتكار وتحتضن التحول الرقمي بدل مقاومته.