
بودشار يعزف بصوت الجمهور: عرض حيّ تجاوز حدود المسرح في موازين
في واحدة من أكثر ليالي مهرجان “موازين” حيوية وتفاعلاً، قدّم المايسترو المغربي أمين بودشار، مساء الجمعة، عرضًا موسيقيًا استثنائيًا على منصة النهضة، حوّل فيه الجمهور إلى شريك حقيقي في الأداء، ضمن تجربة فنية أعادت تعريف العلاقة بين الفنان والمتلقي.
فمنذ اللحظات الأولى للحفل، الذي افتتحه بمعزوفة “موزاييكا”، بدا واضحًا أن بودشار لا يعتلي المنصة ليؤدي فقط، بل ليصنع حدثًا جماعيًا تُعزف فيه الألحان بنبض آلاف الحناجر. مزج في افتتاحيته بين أنماط شرقية وغربية، وأضاف إليها لمسة أمازيغية قادمة من الأطلس المتوسط، في توليفة موسيقية عابرة للثقافات.
وسرعان ما تحوّل المسرح إلى فضاء مفتوح للتفاعل، حيث أطلق بودشار مشروعه “أنتم الكورال” في أبهى تجلياته، فقاد الجمهور كما لو كان جوقة ضخمة، تتنفس معه الألحان وتردد الكلمات بإحساس مشترك. لم يكن العرض مجرد عزف وغناء، بل طقسًا جماعيًا من الذكرى والانغماس العاطفي، حيث أعيدت إحياء روائع خالدة من ريبرتوار الطرب المغربي والعربي.
من “سولت عليك العود والناي” إلى “آش داني وعلاش مشيت”، مرورًا بـ”نداء الحسن” و”نور العين” و”جانا الهوى”، ترددت الأناشيد الجماعية في فضاء المنصة، وغنّى الحضور بصوت واحد، في انسجام مذهل أذاب الحدود بين الفرقة والجمهور.
وأكثر من مجرد تأدية كلاسيكيات، قدّم بودشار أعماله الخاصة بمعالجات جديدة، أبرزها “جبلي جام” التي جمعت بين الإيقاعات البلقانية والمصرية والمغربية، و”ليلة” التي دمج فيها الكمبري الكناوي بالنغمة الكلاسيكية، إلى جانب إيقاعات المزود التونسي والرباب السوسي.
أثبت العرض أن التفاعل الجماهيري ليس مجرد لحظة عابرة في المهرجانات، بل يمكن أن يتحوّل إلى قلب التجربة الفنية. وبفضل رؤيته المبتكرة، رسّخ أمين بودشار مكانته كأحد أبرز الأصوات الموسيقية الجديدة في المغرب، القادرين على تقديم عروض لا تُشاهد فقط، بل تُعاش بكل الحواس.