
باحث ألماني يقود بعثة علمية بقارب من القصب لاختبار الملاحة القديمة بين المغرب وجزر الكناري
كشف الباحث الألماني دومينيك كورلتز عن مشروع علمي بحري جديد يقوم على رحلة تجريبية باستخدام قارب مصنوع من القصب يحمل اسم ABORA V، من المرتقب أن تنطلق من السواحل البرتغالية مرورًا بالمغرب، في اتجاه جزيرة تينيريفي بجزر الكناري. وتندرج هذه المبادرة ضمن الأبحاث الرامية إلى اختبار الإمكانات التقنية الفعلية للملاحة البحرية في عصور ما قبل التاريخ، وإعادة تقييم فرضيات الاستيطان والاتصال البحري المبكر عبر المحيط الأطلسي.
وجاء تقديم هذا المشروع خلال محاضرة علمية احتضنتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، تحت عنوان: «بين الأهرامات والنجوم والمحيطات: مقاربات تأريخية جديدة للتاريخ المبكر بين المغرب وجزر الكناري». وشكّلت المحاضرة مناسبة لعرض نتائج أولية ومقاربات بحثية متعددة التخصصات، تجمع بين علم الآثار التجريبي وعلوم التأريخ والفلك الأثري.
ويُعد كورلتز من أبرز المتخصصين في دراسة الملاحة القديمة، إذ ارتبط اسمه عالميًا بسلسلة بعثات ABORA التي اعتمدت على قوارب تقليدية مصنوعة من القصب، في إطار تجارب علمية تطبيقية تهدف إلى اختبار قدرة التقنيات البدائية على عبور المسافات البحرية الطويلة، بالاعتماد على مواد وأساليب كانت متاحة في عصور ما قبل التاريخ.
وترتكز الرحلة العلمية المرتقبة على مشروع بحثي دولي جديد يعتمد مقاربة منهجية متكاملة، توظّف تقنيات التأريخ باللمعان الضوئي المحفَّز، وتحليل المعطيات الفلكية، ودراسة الفنون الصخرية، من أجل إعادة النظر في التسلسل الزمني للأهرامات بجزر الكناري، وطرح أسئلة جديدة حول أصول شعب الغوانش، السكان الأوائل للأرخبيل. وللمرة الأولى، يتم دمج هذه الأدوات العلمية الحديثة بشكل منظم مع الشواهد الثقافية والتاريخية والإثنوغرافية.
وفي هذا السياق، يبرز المغرب كفضاء محوري ضمن هذا المشروع، باعتباره جزءًا من شبكة تواصل بحري أطلسي مبكر، قد يكون قد ربط شمال إفريقيا بالجزر الأطلسية وأوروبا الجنوبية. كما تشير بعض البقايا الأثرية الغامضة بعدد من المناطق المغربية إلى احتمالات وجود تفاعلات ثقافية وبحرية قديمة، تعزز فرضية انخراط الساحل المغربي في دينامية حضارية أطلسية مبكرة.
وقد نُظمت هذه المحاضرة العلمية بتنسيق من أساتذة وباحثين بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، في إطار توجه أكاديمي يروم تعزيز البحث في تاريخ المجال الأطلسي وتكريس التعاون العلمي بين الباحثين المغاربة ونظرائهم الدوليين. وشكّل اللقاء مناسبة للتأكيد على أهمية التكامل بين العلوم الطبيعية والإنسانية في إعادة قراءة التاريخ القديم على ضوء معطيات علمية حديثة.
وافتُتح اللقاء بكلمة لعميد الكلية، شدّد فيها على أهمية الانفتاح على المجال الأطلسي باعتباره فضاءً للتفاعل الحضاري، وعلى الدور الذي يضطلع به البحث العلمي في إعادة بناء تاريخ العلاقات بين ضفتي الأطلسي بعيدًا عن القراءات التقليدية.
ويتميّز المسار العلمي لدومينيك كورلتز بطابعه العابر للتخصصات، إذ انتقل من دراسة علوم الأحياء والرياضة إلى البحث في الملاحة القديمة، قبل أن ينال درجة الدكتوراه حول انتشار النباتات المزروعة عبر المحيط الأطلسي في عصور ما قبل التاريخ. ويعكس هذا المشروع، بما يحمله من ربط بين الأهرامات والنجوم والمحيطات، تحوّل دراسة التاريخ القديم إلى مجال تتقاطع فيه علوم الطبيعة مع العلوم الإنسانية لفهم أعمق لمسارات التفاعل البشري المبكر.