
ديون جبائية “ميتة” تهدد مالية الجماعات الترابية وتكشف اختلالات الحكامة المحلية
لم تعد إشكالية الديون الجبائية غير المستخلصة مجرد رقم عالق في جداول “الباقي استخلاصه”، بل تحولت إلى معضلة بنيوية تنخر المالية المحلية وتكشف حدود الحكامة الترابية في تدبير الموارد الذاتية. فالتقارير التي توافدت مؤخرًا على مصالح الشؤون الداخلية بعدد من العمالات والأقاليم، دقت ناقوس الخطر بشأن تضخم مستحقات مالية ضخمة تعذر تحصيلها من ملزمين، أفرادًا كانوا أو مقاولات، رغم مرور سنوات طويلة على استحقاقها.
هذه الديون، التي كان من المفترض أن تشكل رافعة أساسية لتمويل الخدمات العمومية المحلية والاستثمارات الجماعية، أضحت مع مرور الزمن أشبه بأرصدة وهمية تُدرج في الميزانيات دون أن يكون لها أثر فعلي على أرض الواقع. وهو ما يطرح إشكالًا جوهريًا يتعلق بمدى واقعية البرمجة المالية للجماعات، وبقدرتها على التخطيط السليم انطلاقًا من موارد حقيقية قابلة للتحقق.
وتعود جذور هذا الوضع إلى اختلالات متراكمة في منظومة التحصيل الجبائي المحلي، حيث ما تزال العديد من الجماعات تعتمد آليات تقليدية في استخلاص الرسوم، تفتقر للنجاعة والصرامة، ولا تواكب التحولات الاقتصادية ولا تعقيد الأنشطة المدرة للضريبة. كما أن ضعف التأهيل الإداري وقلة الموارد البشرية المختصة في المجال الجبائي يسهمان في محدودية التتبع والمراقبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بملزمين ذوي وضعيات قانونية أو مالية معقدة.
إلى جانب ذلك، لا يمكن فصل هذا الواقع عن الاعتبارات السياسية التي كثيرًا ما تحيط بملف التحصيل، إذ يُنظر إلى فرض الصرامة الجبائية أحيانًا كعبء انتخابي قد يكلف المجالس المنتخبة شعبيتها، ما يؤدي إلى نوع من التراخي أو الانتقائية في التعامل مع الملزمين. وهو ما يفتح الباب أمام اختلال خطير في مبدأ العدالة الجبائية، ويقوض الثقة في المؤسسات المحلية، حين يشعر المواطن الملتزم بأنه يتحمل العبء وحده، في مقابل إفلات آخرين من أداء ما بذمتهم.
وتتجلى التداعيات المالية لهذه الديون “النائمة” في اختلال التوازنات الميزانياتية للجماعات، حيث يتم التعويل على مداخيل غير مضمونة لتغطية نفقات قائمة، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تقليص الاستثمارات، أو تأجيل مشاريع تنموية، أو تراجع جودة الخدمات الأساسية المقدمة للساكنة. كما أن استمرار هذه الوضعية يفرغ مبدأ الاستقلال المالي للجماعات من محتواه، ويجعلها أكثر ارتهانًا للتحويلات والدعم المركزي.
من زاوية قانونية، يمنح الإطار التنظيمي للجماعات الترابية صلاحيات واضحة في مجال تدبير الموارد الجبائية، غير أن ضعف التفعيل والمساءلة يجعل هذه الصلاحيات حبرًا على ورق. كما أن غياب جرد دوري وشفاف للديون، يميز بين القابل للتحصيل وغير القابل له، يؤدي إلى تضخيم الأرقام وإدامة الوهم المحاسباتي، بدل اعتماد مقاربة واقعية لتطهير الحسابات.
وأمام هذا الوضع، تبرز الحاجة الملحة إلى إصلاح عميق وشامل لمنظومة التحصيل الجبائي المحلي، يقوم على تحديث الآليات، وتعميم الرقمنة،
وتعزيز التنسيق مع الإدارات الجبائية الوطنية، إلى جانب إعادة الاعتبار لدور المراقبة والتدقيق من طرف المجالس الجهوية للحسابات والمفتشيات المختصة. كما يظل تحييد التحصيل الجبائي عن الحسابات السياسية شرطًا أساسيًا لإرساء حكامة مالية عادلة ومستدامة.
في المحصلة، فإن أزمة الديون الجبائية غير القابلة للاستخلاص ليست مجرد خلل تقني عابر، بل هي مؤشر عميق على أزمة تدبير، تستدعي إرادة سياسية حقيقية، وصرامة قانونية، وتأهيلًا إداريًا، لضمان موارد محلية شفافة وقابلة للتعبئة، بما يخدم التنمية الترابية ويعزز ثقة المواطن في مؤسساته المنتخبة.
التعليقات مغلقة.