
ولايات أميركية تستلهم نموذج السجون الألمانية بين الكرامة والإصلاح
في خطوة ملفتة تعكس تحوّلاً في النظرة إلى العدالة الجنائية، شرعت عدة ولايات أميركية متنوعة سياسياً مثل أوكلاهوما وداكوتا الشمالية وماساتشوستس في إرسال وفود رسمية إلى ألمانيا للاطلاع على نظام السجون هناك، الذي يرتكز على احترام الكرامة الإنسانية والتركيز على الإصلاح بدلاً من التشدد والعقاب القاسي.
خلال زياراتهم لأربعة سجون ألمانية، لاحظ المسؤولون الأميركيون بيئة حبسية تشبه إلى حد كبير الحياة الطبيعية، حيث يرتدي السجناء ملابس مدنية، يُسمح لهم بطهي طعامهم، المشاركة في الأنشطة الرياضية، متابعة التعليم، بل وحتى مغادرة السجن خلال النهار للعمل أو الدراسة. بعض السجون تتيح للسجناء حق التصويت، كما أنهم يقيمون في غرف فردية تشبه السكن الجامعي أكثر من الزنزانات التقليدية.
ما أثار اهتمام الوفود الأميركية هو أن هذه البيئة “الإنسانية” لا تضعف الأمن، بل إن معدلات العنف وإعادة الجريمة في السجون الألمانية أقل بكثير مقارنة بالولايات المتحدة. ورغم دهشة بعض المسؤولين من الإجراءات غير التقليدية مثل ترك الحراس مفاتيحهم على الأرض، إلا أنهم اعترفوا بفعالية هذا النموذج.
وزيرة الأمن العام في أوكلاهوما، تريشيا إيفرست، وصفت النظام الأميركي الحالي بأنه “غير مستدام”، مؤكدة ضرورة تقليل استخدام السجون للأشخاص الذين يشكلون خطراً حقيقياً، مع التركيز على العلاج النفسي وبرامج التأهيل.
التجربة الأميركية لم تقتصر على ألمانيا، فقد سبقتها محاولات مستوحاة من النماذج الإسكندنافية في ولايات مثل كاليفورنيا وبنسلفانيا، حيث أُطلقت مشاريع تعتمد على الثقة والانضباط الذاتي داخل السجون.
ورغم هذه الخطوات، تواجه محاولات الإصلاح عقبات عديدة، منها نقص الكوادر وبنية تحتية متدهورة، إضافة إلى ثقافة عقابية متجذرة وصعوبة حشد تأييد سياسي واسع لهذه التغييرات.
ويبرز اختلاف فلسفي عميق بين النظامين، إذ تعتبر ألمانيا أن حرمان السجين من الحرية هو العقوبة ذاتها، بينما تعتمد الولايات المتحدة رؤية تربط العقاب بالقسوة وحرمان السجين من الكرامة.
يبقى النموذج الألماني مصدر إلهام، لكنه يفتح نقاشاً واسعاً حول مدى قدرة الولايات المتحدة على إعادة التفكير في مفهوم العقوبة من جذوره.