تحديات التعليم العمومي في المغرب: نحو إصلاح شامل وضمان جودة وتكافؤ الفرص

0

يعاني التعليم العمومي المغربي من أزمة عميقة وصلت إلى حد التدمير الممنهج والتصفية، بفعل اختيارات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية غير شعبية ولا ديمقراطية ولا وطنية. رغم الشعاريات المتكررة حول «إصلاح المنظومة التربوية» و«ربط التعليم بالتنمية» و«مواجهة تحديات العولمة» و«الاستجابة لسوق الشغل»، فإن الواقع يكشف عن سياسات هدفها الأساسي هو تلميع الصورة، وذر الرماد في العيون، مع تحميل الفاعلين في قطاع التعليم وزر الفشل، في محاولة لتفادي مسؤولية الدولة في التمويل والتنمية الحقيقية.

 

سياق عام: الأوضاع الدولية والإقليمية والوطنية

 

على الصعيد الدولي، ما زالت الهيمنة الإمبريالية الأمريكية تهيمن على السياسة والاقتصاد والثقافة، مدعومة بسيطرة اقتصادية على الموارد المالية عبر مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مما يعمق الأزمات الاجتماعية ويشعل المقاومة في مختلف أنحاء العالم. أما في المغرب، فتتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية بفعل تدهور القدرة الشرائية وانتشار الفقر والبطالة، وسط قمع متزايد للحركات الاحتجاجية والحقوقية، حيث تعاني الطبقات الشعبية من الفقر المدقع والتهميش.

 

التعليم في المغرب: سياسة الاستثناء والتصفية

 

لم يشكل التعليم في المغرب استثناء من هذا المسار؛ فقد عرفت السياسات التعليمية منذ الاستقلال شكليات دون تحقيق تحول حقيقي، فتم ربط الاقتصاد المحلي بالسوق الإمبريالية، وتمرير قرارات تقيد حق التمدرس، وترسخ التمييز الطبقي. من قرارات بلعباس في الستينيات التي فرضت نخبوية التعليم، إلى مناظرات إفران التي حاولت تلميع الوضع بينما كانت الحركة الطلابية والمعلمون يدافعون عن حقوقهم بمواجهة القمع، استمر التعليم العمومي في التدهور.

 

في العقود الأخيرة، جاءت خطط الإصلاح مثل الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999) والبرنامج الاستعجالي (2009-2012) ومخطط الوزارة (2013-2016) كاستمرار للسياسات النيوليبرالية التي تكبل التعليم، وتكرس خصخصته، وتسمح بتفويت المؤسسات التعليمية للخواص، ما أدى إلى خلق نظام تعليمي مزدوج: مؤسسات نموذجية نخبوية ومؤسسات عمومية مهمشة، تعيد إنتاج التفاوتات الاجتماعية بدلاً من محاربتها.

 

وضعية نساء ورجال التعليم: عبء إضافي وضغوط مستمرة

 

تم تحميل الأساتذة والموظفين في القطاع بزيادة ساعات عمل ضخمة، مع التوظيف بالعقدة والتشغيل عبر الجهات، ما جعل عملهم هشاً وغير مستقر، وضرب حقهم في العمل الكريم والوظيفة العمومية. كما لم تتوقف الزيادات المالية التي تدفعها الأسر، في حين تتراجع الدولة عن تمويل التعليم العمومي، ما يزيد من معاناة الفئات الشعبية.

 

التعليم والحق في إطار حقوق الإنسان

 

يُعد التعليم حقًا أساسيًا ضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تكفلها المواثيق الدولية، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. رغم ذلك، فإن الدستور المغربي يعالج هذا الحق بشكل فضفاض، بينما تبرز سياسة الدولة في الواقع تناقضًا بين الشعارات والممارسات التي تقوض مجانية التعليم وتكافؤ الفرص.

 

انعكاسات الأزمة على التعليم العالي والبحث العلمي

 

يواجه التعليم العالي تحديات عدة، منها ضعف التأطير البيداغوجي، ونقص التجهيزات، وتدهور البنية التحتية، وتراجع ميزانية البحث العلمي، ما ينعكس سلباً على جودة التعليم ومخرجاته، ويقلل من قدرة الجامعة على المساهمة في التنمية الوطنية.

 

خلاصة وتوصيات

 

أزمة التعليم العمومي بالمغرب هي جزء لا يتجزأ من أزمة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الكلي، وتكريس للهيمنة النيوليبرالية وتبعيتها للإمبريالية. ولا يمكن حل هذه الأزمة دون تغيير جذري في السياسات، يبدأ بالاعتراف بحق التعليم المجاني، ويشمل تمويلًا عادلاً ومستدامًا، وحماية حقوق العاملين في القطاع، وضمان تكافؤ الفرص بين جميع الفئات الاجتماعية.

 

على الدولة المغربية أن تعيد النظر في أدوارها ومسؤولياتها، وأن تجعل التعليم أداة حقيقية لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة، بدلاً من جعله سلعة تدر الأرباح للنخب وأصحاب الرأسمال.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.