
زيارة سلطان عمان للجزائر: تساؤلات حول العزلة الدبلوماسية والعلاقات الاقتصادية المحدودة
على الرغم من الاستقبال الحافل الذي خصّت به السلطات الجزائرية سلطان عمان، هيثم بن طارق، خلال زيارته الأولى للجزائر، إلا أن هذه الزيارة أثارت العديد من التساؤلات حول العزلة الدبلوماسية المتزايدة التي تعيشها الجزائر، والتي أصبحت تشبه كرة الثلج المتدحرجة في منحدر شديد الانحدار.
وفي محاولة لإقناع الرأي العام بأن الدبلوماسية الجزائرية ما زالت بخير، وأن الدول الأخرى لا تزال تزور الجزائر بين الحين والآخر، نشرت صفحة الرئاسة الجزائرية صوراً لحظة استقبال الرئيس عبد المجيد تبون لضيفه العماني، ومرافقته له حتى إقامته في الضاحية الغربية للعاصمة، قبل أن تقيم مأدبة عشاء على شرفه.
في اليوم التالي، قام السلطان بزيارة مقام الشهيد في الجزائر العاصمة، حيث وضع إكليلاً من الزهور أمام النصب التذكاري، ثم أجرى محادثات مع الرئيس الجزائري على انفراد، قبل أن تتسع المباحثات لتشمل مسؤولين من كلا البلدين. وأسفرت اللقاءات عن توقيع اتفاقية أولية، إضافة إلى أربع مذكرات تفاهم، مذكرتين للتعاون، وأربع برامج تنفيذية في مقر رئاسة الجمهورية.
وقد شمل ذلك إنشاء صندوق استثماري مشترك بين الجزائر وسلطنة عمان بقيمة مقترحة تبلغ 300 مليون دولار أمريكي، سيتم تخصيص استثماراته في عدة مجالات مثل الأمن الغذائي، والصناعات الدوائية، والمعادن، والمجالات العلمية والتقنية والتعليمية والزراعية، بالإضافة إلى التعاون في القطاع الصحي وحماية النباتات.
ولكن من الملفت للنظر أن حجم الصندوق الاستثماري بين دولتين غنيتين بالنفط، والذي لا يتجاوز 300 مليون دولار، يعد مبلغاً زهيداً للغاية ويبدو وكأنه مجرد رمز ولا يعكس الواقع الاقتصادي.
على صعيد العلاقات الاقتصادية، تبدو الروابط بين البلدين ضعيفة، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين الجزائر وسلطنة عمان حوالي 106.56 مليون دولار في نهاية 2023. وقد تراوحت صادرات السلطنة إلى الجزائر خلال العام 2024 بين 97.1 مليون دولار، بينما بلغت قيمة وارداتها من الجزائر 1.32 مليون دولار.
ورغم هذه العلاقات الاقتصادية المحدودة، اقترحت شركة “سوناطراك” الجزائرية مشروعاً اقتصادياً ضخماً في مجال البترول والغاز مع العمانيين لإنتاج الأمونيا واليوريا في ولاية وهران، بتكلفة تقدر بحوالي 3 مليارات دولار، بمساهمة تقدر بـ 51% من مجموعة “بهوان”. كما يجري العمل على مشاريع أخرى مع شركتي “أبراج” و”أوكيو” العمانيتين في قطاع الطاقة.
لكن مصادر مطلعة تشير إلى أن الجزائر تسعى من وراء هذا المشروع إلى بيع نفطها عبر سلطنة عمان، مستفيدة من قوة العملة العمانية، في وقت يعاني فيه الدينار الجزائري من تدهور كبير.
كما تستغل الجزائر الروابط المذهبية بين سلطنة عمان وبعض المناطق الجزائرية التي تتبع المذهب الإباضي، وهو المذهب الرسمي للسلطنة، حيث توجد مناطق إباضية في الجزائر، مثل غرداية، التي شهدت في كثير من الأحيان قمعاً شديداً ضد معتنقي هذا المذهب.
لكن العنصر الأهم الذي قد تكون زيارة سلطان عمان للجزائر قد تناولته هو إمكانية قيامه بدور الوساطة بين الجزائر من جهة، والمغرب والإمارات من جهة أخرى.
وبالرغم من التوتر الدائم في العلاقات الجزائرية المغربية بسبب ملف الصحراء، فإن العلاقة الجزائرية الإماراتية أصبحت تشغل حيزاً من القلق لدى المسؤولين الجزائريين، الذين يشنون حملات إعلامية ضد الإمارات في الوقت نفسه الذي يطلبون فيه وساطات. وفي هذا السياق، يعتقد المراقبون أن سلطان عمان، الذي يحافظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، لن يقبل بزيارة الجزائر إلا إذا كانت هناك ضمانات لنتائج ملموسة.
دليل على هذه الفرضية، هو أن الجزائر أبدت في الآونة الأخيرة، رغم الغموض الذي يكتنف موقفها، استعدادها لقبول المقترح المغربي للحكم الذاتي في الصحراء، استنادًا إلى قبول جبهة البوليساريو بهذا الحل.
وكانت تصريحات قياديين في جبهة البوليساريو، التي أكدت أن مقترح الحكم الذاتي أصبح خياراً مطروحاً لحل نزاع الصحراء، قد أثارت الكثير من التساؤلات حول موقف الجبهة التي طالما تمسكت بمبدأ “تقرير المصير”.
كما شكلت عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الحكم ضربة للجزائر، التي كانت تعتمد على الغموض الذي صاحب إدارة الرئيس السابق جو بايدن بشأن قضية الصحراء. وقد جاء الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء خلال ولاية ترامب، متبوعاً بمواقف داعمة من دول أخرى مثل إسبانيا وفرنسا، مما أثار غضب الجزائر.
تجد الجزائر والبوليساريو نفسيهما في مواجهة نكسات دبلوماسية متواصلة، في وقت يتزايد فيه الدعم الدولي للموقف المغربي بشأن الصحراء، مع اقتراب حل النزاع بناءً على مقترح الحكم الذاتي.