
د.بنطلحة: الصحراء المغربية.. من منطق النزاع إلى منطق الحسم الدبلوماسية
دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة مفصلية دقيقة، تتسم بتحولات دبلوماسية متسارعة أعادت رسم ملامح التوازنات داخل المنتظم الدولي، ودفعت عدداً من الدول إلى مراجعة تموقعها السياسي إزاء هذا النزاع الإقليمي الممتد منذ عقود. هذه الدينامية لا تعكس مجرد مواقف ظرفية أو حسابات عابرة، بل تؤشر على انتقال تدريجي من منطق الاصطفاف الإيديولوجي إلى منطق الواقعية السياسية التي تحكم اليوم سلوك الفاعلين الدوليين.
في هذا السياق، شكل إعلان دولة بوليفيا تعليق اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” واستئناف علاقاتها الدبلوماسية الكاملة مع الرباط تطوراً لافتاً داخل فضاء أمريكا اللاتينية، الذي كان يُنظر إليه تاريخياً باعتباره أحد أهم معاقل الدعم للأطروحة الانفصالية. القرار البوليفي لا يمكن عزله عن مسار أوسع من المراجعات السيادية التي باشرتها دول أخرى خلال السنوات الأخيرة، في ظل إعادة تقييم شاملة للمصالح الاستراتيجية والتحولات الجيوسياسية العالمية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يتزايد فيه الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007، والذي تصفه عدة عواصم مؤثرة بأنه إطار جاد وذي مصداقية لتسوية النزاع تحت إشراف الأمم المتحدة. كما أن مواقف قوى دولية وازنة أعادت التأكيد على دعمها لحل سياسي واقعي ودائم ومتوافق عليه، وهو ما يعكس تحوّلاً ملحوظاً في طبيعة النقاش داخل مجلس الأمن، حيث بات التركيز منصباً على إيجاد تسوية عملية قابلة للتنزيل بدل إعادة إنتاج مقاربات أثبت الزمن محدوديتها.
وفي قراءة لهذه التطورات، يرى المحلل السياسي محمد بنطلحة الدكالي أن القرار البوليفي يعكس تحولاً سيادياً في تموقع عدد من الدول، ويجسد انتقالاً واضحاً من منطق التضامن الإيديولوجي إلى منطق البراغماتية السياسية. ويعتبر أن التحركات الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة ساهمت في إعادة صياغة النقاش الدولي حول الملف، عبر تقديم مقاربة قائمة على الحكم الذاتي في إطار السيادة الوطنية، بدل استمرار حالة الجمود التي طبعت مراحل سابقة.
ويشير بنطلحة إلى أن قرارات مجلس الأمن المتعاقبة، ومن بينها القرار رقم 2797، كرست أولوية الحل السياسي الواقعي والقائم على التوافق، مع التشديد على ضرورة مواصلة المسار الأممي برعاية الأمم المتحدة. ويرى أن هذا التوجه يعكس إدراكاً متزايداً لدى المجتمع الدولي بضرورة إنهاء نزاع طال أمده وأثر على الاستقرار والتنمية في منطقة المغرب الكبير.
في المقابل، تطرح هذه التحولات تحديات سياسية ودبلوماسية أمام الأطراف الأخرى في النزاع، خاصة في ظل المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة. فالمعادلة لم تعد تُختزل في خطاب سياسي تقليدي، بل أصبحت مرتبطة بميزان المصالح والتحالفات الدولية، وبقدرة كل طرف على التكيف مع التحولات الجديدة.
ومع استمرار الحراك داخل أروقة الأمم المتحدة، وتزايد مراجعة المواقف في عدد من الدول بأمريكا اللاتينية وأوروبا وأفريقيا، يبدو أن ملف الصحراء المغربية يدخل مرحلة إعادة تموضع دولي واضحة المعالم. مرحلة عنوانها البحث عن تسوية سياسية واقعية، قادرة على إغلاق واحد من أطول النزاعات الإقليمية في شمال أفريقيا، وفتح أفق جديد للتكامل والاستقرار في المنطقة.