
الملكيات الأوروبية بين التضامن والهشاشة.. دروس سياسية من جنازة إليزابيث الثانية
تطرح مذكرات الملك الإسباني السابق خوان كارلوس تساؤلات عميقة حول مستقبل الملكيات الأوروبية في القرن الحادي والعشرين، مستحضرةً مشاهد جنازة الملكة البريطانية الراحلة إليزابيث الثانية بوصفها لحظة رمزية تعكس توازنات دقيقة بين الاستمرارية والهشاشة داخل الأنظمة الملكية الحديثة.
ففي دير وستمنستر، لم تكن مراسم الوداع مجرد طقس جنائزي مهيب، بل بدت أيضاً عرضاً سياسياً منظماً يعكس قدرة المؤسسة الملكية البريطانية على تحويل لحظة الحزن إلى رسالة سياسية تؤكد وحدة الدولة واستمرارية العرش. ظهرت العائلة الملكية متماسكة خلف الملك الجديد، فيما تابع الرأي العام المشهد بوصفه لحظة تاريخية تتجاوز الخلافات السياسية.
بالنسبة لخوان كارلوس، شكل هذا المشهد تذكيراً بقوة الصورة الرمزية التي تستطيع الملكيات الدستورية توظيفها للحفاظ على شرعيتها. فالملكية الأوروبية المعاصرة لم تعد تستند إلى سلطة مطلقة أو شرعية دينية، بل إلى قبول شعبي متجدد يختبر يومياً في فضاء الإعلام والرأي العام.
ويؤكد الملك الإسباني السابق في تأملاته أن “الصورة” أصبحت أداة أساسية لبقاء الأنظمة الملكية؛ صورة العائلة المتماسكة، وصورة الاستمرارية التاريخية، وصورة الحياد السياسي فوق الانقسامات الحزبية. هذه الصور تشكل، في نظره، عقداً غير مكتوب بين المؤسسة الملكية والمجتمع.
غير أن هذا التوازن يبقى هشاً. فحين يرى المواطنون في الملك رمزاً جامعاً، يغفرون له الهفوات الصغيرة. لكن عندما تتحول المؤسسة الملكية إلى مصدر فضائح أو انقسام سياسي، فإن الحماية الرمزية التي تحيط بها يمكن أن تتلاشى بسرعة.
كما يشير خوان كارلوس إلى وجود نوع من التضامن غير المعلن بين الملكيات الأوروبية، يقوم على إحساس بمصير مشترك بين العروش التاريخية في القارة. غير أن هذا التضامن يبقى رمزياً في جوهره، لأن كل ملكية تعتمد في النهاية على سياقها السياسي والثقافي الوطني.
ويتوقف الملك الإسباني السابق أيضاً عند مسألة انتقال السلطة في الأنظمة الملكية، مستحضراً وصول الملك تشارلز الثالث إلى العرش في سن الثالثة والسبعين، ومقارناً ذلك بتنازله هو عن العرش في إسبانيا في سن السادسة والسبعين بعد سلسلة من الأزمات التي أثرت على صورته العامة.
في هذا السياق، يرى أن الملكية الحديثة تحتاج إلى تجديد مستمر في رموزها وأجيالها، لأن ارتباطها بالماضي وحده قد يحولها إلى مؤسسة رمزية غير قادرة على التواصل مع الأجيال الجديدة.
وتقود هذه التأملات إلى مقارنة ضمنية بين النموذج البريطاني والتجربة الإسبانية. ففي حين تمكنت العائلة المالكة البريطانية من إدارة أزماتها والحفاظ على صورتها العامة، شهدت الملكية الإسبانية جدلاً واسعاً بسبب قضايا مالية وشخصية ارتبطت بسنوات حكم خوان كارلوس الأخيرة.
ويخلص الكاتب إلى أن مستقبل الملكيات الأوروبية لا تحسمه المذكرات أو التقاليد التاريخية، بل يقرره الرأي العام وصناديق الاقتراع واستطلاعات الرأي. فالملكية الدستورية اليوم تقوم على ثلاثة أعمدة أساسية: الحياد السياسي، والسلوك الأخلاقي، والقدرة على تمثيل الأمة في الداخل والخارج.
وإذا اختل أحد هذه الأعمدة، فإن شرعية المؤسسة الملكية قد تتعرض للاهتزاز. لذلك تبقى الملكية الحديثة، في نظر خوان كارلوس، علاقة ثقة متجددة بين العرش والمجتمع، أكثر من كونها مؤسسة مضمونة الاستمرار بحكم التاريخ.