التسوّل: ظاهرة اجتماعية أم صناعة استرزاق؟

0

في زاوية من زوايا الحياة اليومية، يقف متسوّل بثوبٍ رثّ ونظرة منكسرة، يمدّ يده طالبًا عطف المارة. يتكرّر هذا المشهد أمام أعيننا، لا في شارع دون آخر، بل في كل الأزقة، أمام المساجد، قرب الأسواق، وفي عربات النقل. أهو الفقر أم الاستسهال؟ أهي الحاجة أم عادة؟

لقد تحوّلت ظاهرة التسوّل من سلوك اضطراري تفرضه قسوة الظروف، إلى حرفة يتقنها البعض ببراعة، حتى باتت وجوه مألوفة تتكرر كل صباح، بنفس العبارات، ونفس المسرحيات الدرامية. ومع الأسف، ساهمت طيبة الناس وعاطفتهم أحيانًا في ترسيخ هذا الواقع، بل في تشجيعه دون قصد.

أنا لا أنكر وجود من ضاقت به السبل، وغلبه العجز، فاضطر إلى طلب الإحسان، لكن ما لا يُغتفر هو استغلال مشاعر الناس، وامتهان الكذب باسم الحاجة. لقد أصبح بعض المتسوّلين يجنون من “تسوّلهم” أكثر مما يجنيه عامل شريف يقضي يومه تحت لهيب الشمس. أليس في هذا مفارقة مؤلمة؟

ما يُؤسف له أكثر، هو الأطفال الذين يُزَجُّ بهم في هذا المستنقع، بأوامر من أهلهم أو من “عصابات” تتاجر بالبؤس. يُحرَمون من الدراسة، من اللعب، من الكرامة، ليصبحوا أداة لكسب دريهمات تذهب لجيوب من لا ضمير لهم فالتسول ليس فقط مسألة صدقة، بل مسألة وعي. وعلى كل فرد في المجتمع أن يسأل نفسه قبل أن يمدّ درهمًا: هل أُعين مظلومًا؟ أم أُكرّس فسادًا؟

إنّ أخطر ما في ظاهرة التسوّل أنها تُخدّر ضمير المجتمع، فتجعلنا نعتاد على رؤية البؤس، ونتعامل معه كجزء طبيعي من المشهد اليومي. نفقد تدريجًا إحساسنا بالغرابة، ونتحول من بشرٍ متأثّرين إلى شهود صامتين، بل ومساهمين في دوام هذه الدوامة التي لا ترحم.

أليست الكرامة هي أوّل حقوق الإنسان؟ كيف نقبل أن يُمتهن الإنسان في عزّ النهار، وأن تتحوّل يداه من أدوات للكدّ والعمل إلى أوعية للاستجداء؟ لماذا لا نغضب حين نرى امرأة شابة تقوى على العمل، ومع ذلك تتّخذ من دموع التماسيح وسيلة للعيش؟ أليس من واجبنا أن نميز بين من يطلب لقمة تسدّ جوعه، ومن احترف الاتّكال وتفنّن في استدرار الشفقة؟

ثم إن هناك بُعدًا أخلاقيًا خطيرًا: فالتعوّد على التسوّل يُربّي أجيالًا على انتظار العطاء بدل السعي إليه، على الخضوع بدل الاجتهاد، وعلى الذل بدل العز. وهنا يتحول المجتمع من كيان نابض بالطموح، إلى قطيع ينتظر الصدقة.

وهل ننسى الجانب الديني؟ لقد دعا الإسلام إلى الصدقة، لكنه في ذات الوقت حرّض على العمل، واعتبر اليد العليا خيرًا من اليد السفلى. فكيف لنا أن نُقحم الدين في تبرير الكسل والتواكل؟ الدينُ لا يُحرّض على إذلال النفس، بل على صيانتها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.