السياحة والعقار يغيران ملامح مراكش.. تراجع سكان المدينة العتيقة بـ58% خلال 30 سنة

0

كشفت دراسة أكاديمية حديثة عن تحولات ديموغرافية وعمرانية لافتة شهدتها مدينة مراكش خلال العقود الثلاثة الماضية، خاصة داخل المدينة العتيقة، التي سجلت تراجعاً كبيراً في عدد سكانها مقابل تنامي النشاط السياحي والعقاري واتساع المجال الحضري خارج النواة التاريخية.

وأوضحت الدراسة، المنشورة خلال غشت 2026 في مجلة “Cities”، أن عدد سكان المدينة العتيقة انتقل من أكثر من 192 ألف نسمة سنة 1994 إلى حوالي 81 ألف نسمة سنة 2024، ما يمثل انخفاضاً يقارب 58 بالمائة خلال ثلاثين عاماً.

وفي المقابل، واصلت مراكش تسجيل نمو سكاني وعمراني متسارع، إذ ارتفع عدد سكان المدينة من نحو 861 ألف نسمة سنة 1994 إلى أكثر من مليون ونصف المليون نسمة سنة 2024، مع انتقال جزء مهم من هذا النمو نحو مناطق ومقاطعات تقع خارج المركز التاريخي.

السكن يتراجع والسياحة تتقدم

وترجع الدراسة هذا التحول إلى مجموعة من العوامل، من بينها تغير أنماط السكن وتفضيلات الأسر، والبحث عن مساكن حديثة تتوفر على مرافق أوسع، إضافة إلى وضعية بعض المباني التقليدية وارتفاع القيمة العقارية للعقار داخل المدينة العتيقة.

وبالتوازي مع تراجع الوظيفة السكنية، برز النشاط السياحي بشكل متزايد داخل الأحياء التاريخية، خصوصاً مع تحويل عدد من الرياضات والمباني التقليدية إلى دور للضيافة ومرافق موجهة للسياح.

وتشير المعطيات التي اعتمد عليها البحث إلى ارتفاع عدد دور الضيافة المسجلة بالمدينة العتيقة إلى 1424 وحدة سنة 2024، في حين ارتفع عدد العقارات المملوكة لأجانب من نحو 150 عقاراً سنة 1999 إلى أكثر من 900 سنة 2003، وفق البيانات التي أوردتها الدراسة.

النمو العمراني يتجه نحو الأطراف

ولا يقتصر التحول الذي تشهده مراكش على المدينة العتيقة، إذ تزامن انخفاض عدد سكانها مع توسع عمراني وديموغرافي ملحوظ في عدد من المناطق، من بينها المحاميد والمسيرة وسيدي يوسف بن علي.

وترى الدراسة أن هذا التوسع نتج عن تداخل عوامل سكانية وعقارية وسياحية، إلى جانب تطور شبكة الطرق والمشاريع السكنية وتغير قيمة الأراضي بين المركز التاريخي والمناطق المحيطة به.

كما سجل البحث تفاوتاً زمنياً بين سرعة التوسع الحضري وتحيين وثائق التعمير، مشيراً إلى أن بعض المناطق عرفت نمواً عمرانياً قبل اعتماد وثائق تخطيط حديثة تغطيها بشكل كامل.

وتظهر بيانات رخص البناء التي استندت إليها الدراسة استمرار النشاط العمراني خلال الفترة الممتدة بين 2003 و2020، مع تسجيل تفاوت واضح في عدد الرخص من سنة إلى أخرى، وهو ما يعكس اختلاف وتيرة البناء والتوسع بين مراحل ومناطق المدينة.

بين الحفاظ على التراث وضمان السكن

وتضع الدراسة المدينة العتيقة أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في الحفاظ على قيمتها التاريخية والتراثية، وضمان استمرارها فضاءً للسكن والحياة اليومية للسكان.

فارتفاع جاذبية المباني التقليدية بالنسبة إلى المستثمرين والزوار أدى إلى زيادة قيمتها الاقتصادية، لكنه ساهم في الوقت نفسه في تحويل جزء من المباني السكنية إلى رياضات ودور ضيافة وأنشطة سياحية.

وترى الدراسة أن هذا التحول ينعكس أيضاً على طبيعة الأحياء والأسواق والحرف التقليدية، إذ تتغير الأنشطة والخدمات تدريجياً لتلبية احتياجات القطاع السياحي والزوار.

وتدعو خلاصات البحث إلى اعتماد مقاربة تتجاوز الحفاظ المعماري للمباني التاريخية، لتشمل البعد الاجتماعي والاقتصادي، بما يضمن استقرار السكان وإمكانية استمرار استعمال المدينة العتيقة كفضاء حي للسكن والعمل، وليس فقط كوجهة سياحية.

وهكذا، ترسم المعطيات صورة لمدينة مراكش وهي تعيش تحولاً متسارعاً: مركز تاريخي يتراجع فيه عدد السكان مقابل ارتفاع قيمته السياحية والعقارية، ومجال حضري واسع يستقطب المزيد من السكان ويتجه باستمرار نحو التوسع خارج الأسوار.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.