التغييرات الجيوسياسية وتأثيرها على المغرب: تحليل حسن أوريد للعالم الجديد وفرص المغرب الاستراتيجية

0

في محاضرة ألقاها ضمن فعاليات ليلة رمضانية، تناول المفكر الأكاديمي حسن أوريد التغيرات الجيوسياسية التي تؤثر على المغرب والعالم في الوقت الراهن، مؤكدًا أن العالم الذي نعرفه قد انتهى مع سقوط جدار برلين، وأن التحولات الكبيرة التي شهدها العالم بعد ذلك، وخاصة مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، أدت إلى تغييرات جذرية على المستويين الإقليمي والدولي.

التغييرات الكبرى في النظام الدولي

بدأ أوريد محاضرته بتأكيد أن “العالم الذي نعرفه قد انتهى” بعد سقوط جدار برلين، حيث انتهت المنظومة القديمة التي كانت تهيمن على العلاقات الدولية، ليحل محلها نظام عالمي جديد قائم على القوة فقط. وأوضح أن الدول الكبرى لم تعد تلتزم بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي كانت تضمن الاستقرار وتحد من الحروب، بل أصبحت القوة هي العنصر الحاسم في تحديد موازين القوى الدولية.

وأشار أوريد إلى أن أوروبا كانت تعتقد أنها قد نجحت في “تحصين نفسها” ضد الحروب بعد فترة طويلة من السلام، لكن مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وجدت نفسها مجددًا في قلب الصراع. وهو ما يتناقض مع المعتقدات السابقة التي كانت ترى أن الحروب هي أمر يخص فقط جنوب الكرة الأرضية، متجاهلةً أن الحروب يمكن أن تؤثر على القارة الأوروبية أيضًا، كما حدث في يوغسلافيا سابقًا.

التهديد النووي والحروب الحديثة

تطرق أوريد إلى نقطة هامة في محاضرته وهي التهديدات باستخدام السلاح النووي، موضحًا أن الحرب الروسية الأوكرانية تمثل نقطة فارقة في تاريخ النزاعات الحديثة، حيث يتم التلويح باستخدام السلاح النووي لأول مرة في هذا السياق. ورغم أن السلاح النووي كان يُستخدم سابقًا كأداة للردع والتوازن بين القوى العظمى، إلا أن هذه الحرب قد شهدت تهديدات باستخدامه بشكل جزئي وتكتيكي، مما يبرز خطورة هذه المرحلة.

حرب غزة: تجاوز للقوانين الدولية

بعد ذلك، انتقل أوريد للحديث عن حرب غزة الأخيرة، التي وصفها بـ “طوفان الأقصى”، مشيرًا إلى أن هذه الحرب كانت استثنائية، حيث تم استخدام القوة بشكل غير مبرر ودون مراعاة لضوابط القانون الدولي. أضاف أن هذه الحرب عبرت عن وحشية غير مسبوقة في التعامل مع النزاعات المسلحة، وهو ما يعكس التغيرات الجذرية في الطريقة التي تُدار بها الحروب في العصر الحالي. وأشار إلى أن الأحداث في غزة قد تجاوزت نطاق الشرق الأوسط لتؤثر على التوازنات الجيوسياسية العالمية، حيث أعطت لروسيا فرصة لتوسيع نفوذها العسكري في المنطقة، ما يعكس تحولًا كبيرًا في القوى الدولية.

الظهور الجديد للشعبوية: “ترامبية جديدة”

في الشق السياسي، أشار أوريد إلى الظاهرة الجديدة المتمثلة في عودة دونالد ترامب إلى الساحة السياسية الأمريكية، معتبرًا ذلك بداية لظهور “ترامبية جديدة”. هذه “الترامبية الجديدة” تتبنى رؤى قومية وشعبوية يمينية أكثر تطرفًا وتعقيدًا، وتستند إلى فلسفة تجاوز الاستحواذ على الموارد الطبيعية إلى المطالبة بالأراضي نفسها. استشهد أوريد بعدد من الأحداث التي تظهر هذا التوجه، مثل محاولة ترامب “وضع اليد على جرينلاند” وملفات مثل الترحيل القسري للفلسطينيين من قطاع غزة. وأضاف أن هذه التوجهات تُمثل انتهاكًا للمعايير القانونية والدولية وتزيد من تعقيد المشهد السياسي الدولي.

الجيوستراتيجية والجيوبوليتيك: مفاهيم يجب التفريق بينها

واستعرض أوريد بعض المفاهيم الأساسية لفهم التغيرات الجيوسياسية، موضحًا الفارق بين “الجيوستراتيجية” و”الجيوبوليتيك”. وقال إن الجيوستراتيجية تتعلق بتأثير الجغرافيا على الاستراتيجيات العسكرية، بينما الجيوبوليتيك تشير إلى تأثير السياسة في الجغرافيا، وهو ما يُفضي إلى تصور سياسي يعتمد على عوامل جغرافية. وأوضح أن الجيوستراتيجية كانت محور اهتمام العسكريين منذ القرن التاسع عشر، وأشار إلى أن الدول الكبرى مثل ألمانيا والولايات المتحدة كانت قد تبنت استراتيجيات توسعية في الفضاء الأوروبي والآسيوي خلال الحرب العالمية الثانية لتأمين مصالحها.

الصين وروسيا: الفاعلان الجديدان في النظام الدولي

كما تحدث أوريد عن الدور المتزايد لكل من روسيا والصين في تشكيل التوازنات الدولية. واعتبر أن دخول الصين إلى الساحة العالمية قد يمثل تحديًا جديدًا للقوى الكبرى، وهو ما قد يؤدي إلى تغييرات جذرية في خريطة العالم المستقبلية. استشهد أوريد بمقولة شهيرة تقول: “إذا كانت روسيا عاصفة، فإن الصين هي تغيير مناخي”، مما يعني أن التغييرات التي قد تطرأ على النظام الدولي ستكون كبيرة وعميقة. كما أشار إلى أن الولايات المتحدة قد واجهت تهديدات جيوسياسية في “أوراسيا” من كل من هتلر وستالين، مما دفعها لتبني سياسات معينة لاحتواء هذه القوى.

المغرب: التحديات والفرص في النظام العالمي الجديد

أشار أوريد إلى أن المغرب قد تفاعل بحنكة مع التغيرات العالمية عبر التاريخ، بدءًا من فترة الحرب الباردة، وصولًا إلى مرحلة ما بعد سقوط جدار برلين. وقال إن المغرب أصبح أكثر انفتاحًا على العالم بعد هذا التحول الكبير، وبدأ يلعب دورًا أكبر في الساحة الدولية بعد هجمات 11 سبتمبر. وفيما يتعلق بالقضايا الاستراتيجية، أكد أوريد أن القضية الأساسية للمغرب هي الحفاظ على وحدته الترابية، مشيرًا إلى أن الوضع في غزة وفي سوريا قد أسهم في ظهور تحديات جديدة للمغرب، حيث انعكست هذه النزاعات سلبًا على الجزائر، التي اضطرت لتغيير بعض سياساتها الخارجية.

وفي السياق ذاته، استعرض أوريد الهزائم التي تعرضت لها الدبلوماسية الجزائرية في المحافل الدولية، مما دفعها إلى إعادة صياغة علاقاتها الدولية، خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وأوضح أن الجزائر بدأت تتقارب مع هذه القوة العالمية، حتى أنها أبدت استعدادها لبيع معادنها النفيسة لها.

كيفية التعامل مع القوى الكبرى: الولايات المتحدة، أوروبا، والصين

أوريد طرح في محاضرته إشكالية كيفية التعامل مع القوى العالمية الكبرى اليوم، وهي الولايات المتحدة، أوروبا، والصين. ورأى أن الحل يكمن في اعتماد سياسة توازن مشابهة لتلك التي اتبعتها بعض الدول الآسيوية، مثل سنغافورة، التي وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع هذه القوى العظمى دون التفريط في مصالحها الوطنية. كما شدد على أهمية استمرار المغرب في تعزيز علاقاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ على توازن دقيق بين هذه القوى.

الخيار الأطلسي: الخيار الاستراتيجي للمغرب

في الختام، أكد أوريد على أن “الخيار الأطلسي” الذي أطلقه الملك محمد السادس يبقى الخيار الاستراتيجي الأبرز للمغرب، خاصة في ظل التحديات الجيوسياسية الحالية. ودعا المغرب إلى تعزيز علاقاته مع الولايات المتحدة، الدول الأوروبية، ودول الخليج التي أصبحت طرفًا مهمًا في المعادلة الدولية. وأشار إلى أن المغرب يجب أن يستمر في بناء حضور قوي في الساحة العربية والدولية، مع استغلال الفرص التي يتيحها هذا الخيار الاستراتيجي لتحقيق مصالحه الوطنية في العالم الجديد.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.