الشعبوية السياسية واستغباء المواطنين: لعبة قديمة بثوب جديد

0

 

في مشهد سياسي يتكرر عبر العصور، تواصل بعض الأحزاب السياسية اللعب على أوتار العاطفة الشعبية، متسترة خلف خطاب شعبوي يخاطب الغرائز بدل العقول. خطاب يتغذى على وعود براقة، وشعارات كبيرة، وتحميل الآخر كامل المسؤولية، فيما تتوارى البرامج الحقيقية والحلول الواقعية خلف ستار من الضجيج.

الشعبوية ليست ظاهرة جديدة، لكنها تعود بقوة في فترات الأزمات، حين تزداد هشاشة الفئات الشعبية ويبحث الناس عن أمل سريع، حتى ولو كان وهماً. فتخرج علينا بعض الأطراف السياسية بخطاب ينمّق الفشل ويزين الارتجال، ويختزل تعقيدات الواقع في جمل بسيطة تُشعِر المواطن بأنه الضحية الأبدية لمؤامرات النخب، أو القوى الخارجية، أو “الفاسدين” دون تحديد أو مساءلة.

الخطير في الأمر، أن بعض هذه الأحزاب لا تكتفي بتقديم الخطاب الشعبوي، بل تمعن في استغباء الرأي العام، وتدفعه دفعًا نحو التصفيق لأي قرار مهما كان عبثيًا، بحجة “الانتصار للإرادة الشعبية”. فتارة تُهاجم المؤسسات وتارة أخرى تتبنى نظريات المؤامرة، وفي أحيان كثيرة تُحول النقاش العمومي إلى ساحة لتبادل التهم وتصفية الحسابات، بدل أن يكون منبرًا لتقديم الحلول ومواجهة التحديات.

هذا النوع من الممارسة السياسية يُفرغ الديمقراطية من محتواها، ويجعل المواطن يعيش وهم التغيير دون أن يلمس أي نتائج على أرض الواقع. فباسم الشعب، تُمرّر السياسات الخاطئة، وباسم البساطة، يُرفض التعقيد الضروري لفهم الملفات الكبرى، وباسم “محاربة الفساد” تُغتال الكفاءات ويُكرّس التهميش.

المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن يرفع المواطن منسوب وعيه، وألّا يسمح بتحويله إلى أداة في يد من يستغله سياسياً. كما أن الأحزاب الجادة مطالَبة بالخروج من منطقة الصمت، والتصدي لهذا التيار الذي يهدد بنسف أسس النقاش الديمقراطي ويحول العمل السياسي إلى سوق للمزايدات لا أكثر.

السياسة الحقيقية هي فنّ إدارة الممكن والبحث عن التوازن بين الطموح والواقع، وليست حفلة شعارات تنتهي في صندوق الاقتراع، تاركة المواطن وحيداً يكتشف أنه كان ضحية خدعة لفظية مدروسة.

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.