
الفراقشية وأسعار اللحوم: صراع البرلمان على أولوية المهمة الاستطلاعية
يستعد مكتب لجنة القطاعات الإنتاجية، يوم الاثنين، لاتخاذ قرار حاسم بشأن اختيار المهمة الاستطلاعية ذات الأولوية، في ظل تعدد المقترحات المقدمة، والتي تتضمن ملفات مثل أسعار اللحوم الحمراء، ودعم استيراد الأبقار، وسلسلة الحبوب.
ومن المتوقع أن يُرفع المقترح النهائي إلى مكتب مجلس النواب للموافقة على تشكيل اللجنة، وسط ترقب سياسي وشعبي كبير لما ستسفر عنه هذه الخطوة.
المقترحات المطروحة تعكس قضايا راهنة أثارت اهتمام الرأي العام خلال الأسابيع الماضية، إلا أن ملف استيراد الأبقار واللحوم يبدو أنه يحتل الأولوية، خصوصاً مع تصاعد المطالب لكشف حقيقة ما يُعرف بـ”دعم الفراقشية”.
هذا الملف الذي أثار جدلاً واسعاً داخل البرلمان وخارجه، تحول إلى محور نزاع رقابي بين الفرق النيابية، حيث تطالب المعارضة بتشكيل لجنة تقصي حقائق للتحقيق في ملابسات توزيع الدعم، ومدى شفافيته، وتحديد المستفيدين منه.
في المقابل، تفضل فرق الأغلبية إبقاء المسألة ضمن مهمة استطلاعية تتيح الاطلاع على التفاصيل دون تصعيد سياسي قد يعقد عمل الحكومة.
وشهدت الأجواء السياسية توتراً متزايداً بسبب تناقض الأرقام التي أعلنها مسؤولون حكوميون بشأن الكلفة المالية لدعم الاستيراد. ففي حين أعلن نزار بركة، وزير التجهيز والماء، أن الدعم بلغ 13 مليار درهم، نفى رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي هذه الأرقام، مؤكداً أن الكلفة الحقيقية لا تتجاوز 300 مليون درهم.
هذا التفاوت دفع وزارة الفلاحة إلى إصدار بيان توضيحي أكدت فيه أن الكلفة بلغت 437 مليون درهم خلال عامي 2023 و2024، ما زاد من حالة الارتباك وأثار تساؤلات حول دقة وشفافية الأرقام الرسمية.
وقد عمّق هذا التضارب في التصريحات تعقيدات الملف، وفتح الباب أمام شكوك كبرى حول الحكامة في إدارة الدعم العمومي للقطاع الفلاحي، خصوصاً في ظل شكاوى صغار الفلاحين من نقص الدعم الحقيقي، واتهامات بتوجه جزء كبير من الموارد لفئات محدودة من كبار المستثمرين.
في حين تحذر المعارضة من محاولات التستر على ما تصفه بـ”اختلالات في تدبير المال العام”، تؤكد الأغلبية أن التعامل مع الموضوع عبر أطر مؤسساتية هادئة أكثر فاعلية من التصعيد الإعلامي والسياسي، الذي قد يضر بمناخ الاستثمار الفلاحي، وجهود الدولة لمواجهة تحديات ارتفاع الأسعار وضمان استقرار السوق الوطنية.
وتأتي خلفية هذا الجدل مفعمة بهواجس أعمق تتعلق بتراجع الثقة في السياسات العمومية، خصوصاً في المناطق القروية المتضررة من الجفاف وغلاء المواد الأساسية، ما يجعل ملف دعم استيراد الأبقار مؤشراً على إشكالات أوسع ترتبط بالعدالة المجالية والاجتماعية.
وبين ترقب قرار لجنة القطاعات الإنتاجية بشأن المهمة ذات الأولوية، وطموحات الفرق البرلمانية في أداء دورها الرقابي، يبقى الأمل في أن تشكل المؤسسة التشريعية منصة فعالة للمساءلة، ومكاناً لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، في قضايا تمس حياته اليومية وتختبر مصداقية الشعارات المرتبطة بالحكامة والشفافية في تدبير الشأن العام.