
مراكش بين بريق الخطاب السياسي ومرارة الواقع اليومي
تعيش مدينة مراكش، التي ظلت لسنوات طويلة رمزًا للوجه السياحي المشرق للمغرب ووجهة مفضلة للزوار من مختلف أنحاء العالم، على وقع مفارقة لافتة بين ما يقال في المنابر والخطابات، وما يعيشه المواطن يوميًا في شوارع المدينة وأحيائها. فبينما تتعالى العبارات الرنانة حول التنمية والتأهيل الحضري، تبدو بعض مظاهر التدهور واضحة للعيان في عدد من المناطق، حيث تنتشر الحفر في الطرقات، وتتآكل الأرصفة، وتتراكم النفايات في فضاءات كان يفترض أن تعكس صورة حضارية لمدينة بتاريخ عريق.
ولا يقتصر هذا المشهد على مقاطعة واحدة دون غيرها، بل يطال مختلف المقاطعات الخمس للمدينة، ما يجعل التساؤلات تتزايد بين الساكنة حول أسباب هذا الوضع الذي يتكرر يومًا بعد يوم. فكيف يمكن لمدينة بحجم ومكانة مراكش أن تبدو في بعض أحيائها بهذا الشكل؟ وأين تذهب كل تلك الوعود التي تُرفع في المناسبات الرسمية واللقاءات السياسية؟
وفي خضم هذا الواقع، يزداد استياء المواطنين حين يلاحظون أن بعض الأصوات لا تزال تحاول رسم صورة وردية للوضع القائم، عبر الإشادة المستمرة بأداء بعض المنتخبين أو الترويج لإنجازات لا يلمسها الناس على الأرض. وهو أمر يثير الكثير من الاستغراب، خصوصًا حين يتحول بعض المتعلمين أو المستفيدين من مناصب ووظائف إلى مدافعين متحمسين عن واقع لا يعكس حقيقة ما يجري في الشارع.
المفارقة المؤلمة أن المواطن البسيط هو من يتحمل في النهاية تبعات هذا الوضع، إذ يضطر يوميًا إلى التعامل مع طرق مهترئة ومرافق عمومية لا ترقى إلى مستوى تطلعات مدينة بحجم مراكش. وبينما يستمر تبادل الخطب والتصريحات، يبقى الواقع الميداني شاهدًا صامتًا على حجم الاختلالات التي تحتاج إلى معالجة حقيقية.
إن ما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد أخطاء عابرة أو تعثرات إدارية، بل يعكس في جانب منه إشكالًا أعمق يرتبط بثقافة تدبير الشأن العام ومدى استحضار المصلحة العامة في اتخاذ القرار. فالمدينة ليست مجرد واجهة إعلامية أو منصة لإطلاق الشعارات، بل فضاء يعيش فيه الناس يوميًا، ويقيسون فيه صدقية الوعود بقدر ما يلمسونه من تغيير حقيقي.
ومراكش، بما تحمله من تاريخ عريق ومكانة دولية، تستحق بلا شك عناية أكبر ورؤية أكثر واقعية في تدبير شؤونها. فالحفاظ على صورة المدينة لا يكون بالكلمات الجميلة وحدها، بل بالعمل الميداني الجاد الذي ينعكس مباشرة على حياة الساكنة وجودة الفضاء الحضري.
إنها رسالة واضحة لكل من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن المحلي: مراكش ليست مجرد عنوان في خطاب سياسي، بل مدينة نابضة بالحياة، لها تاريخها وكرامتها، ومن حقها أن تحظى بما يليق بمكانتها بين مدن العالم.