
د.بنطلحة:الحقيبة أو التابوت.. حين يكتب العنف تاريخ الهوية الجزائرية
الحقيبة أو التابوت.. حين يكتب العنف تاريخ الهوية الجزائرية
يرتبط صيف 1962 في الذاكرة الجزائرية بعبارة واحدة، تختزل من القسوة ما يكفي لتلخيص مشهد الاستقلال: “الحقيبة أو التابوت” (la valise ou le cercueil). لم تكن هذه الكلمات مجرد وعيد عابر، بل كانت خطاً فاصلاً ومؤلماً قسّم المصائر، وفرّق بين جيران الأمس وأبناء البلدة الواحدة، ليتجاوز مفهوم الحرب ضد الاستعمار إلى أزمة هوية داخلية ممتدة.
شروخ ما بعد إيفيان: مأساة “الفرنسيين المسلمين”
حين وُقّع على اتفاقيات إيفيان وأُعلن الاستقلال، لم تنتهِ فصول المأساة، بل طفت على السطح ترسبات 132 سنة من الوجود الفرنسي. فمنذ عام 1848، أُلحقت الجزائر رسمياً بفرنسا وقُسّمت إلى ثلاثة أقاليم. هذا الوضع لم يكن حبراً على ورق بالنسبة لآلاف الجزائريين، بل كان واقعاً عاشوه في المدارس والإدارة والخدمة العسكرية، مما خلق لديهم شعوراً — ولو جزئياً — بأنهم “فرنسيون مسلمون” يخدمون دولة اعتبروها وطنهم السياسي.
خلال الثورة (1955-1962)، جندت فرنسا عشرات الآلاف من الجزائريين في تشكيلات مختلفة:
الحركيون: نحو 60 ألفاً في ذروة الصراع.
المخازنية وعناصر الأمن والدفاع الذاتي: ليصل إجمالي المجندين إلى ما بين 180 و250 ألف رجل.
وكان الباشاغا سعيد بوعلام تجسيداً صارخاً لهذا التيار؛ إذ قاد وحدة حركية كبيرة، وأصبح نائباً لرئيس الجمعية الوطنية الفرنسية، معبراً عن رفاقه في كتابه “فرنسا وطني” قائلاً: «فرنسا هي وطني… لقد دافعنا عنها معاً تحت العلم نفسه». لكن هذا الولاء تحول فجأة إلى قدر مأساوي.
الانتقام والمنفى القاسي
بعد وقف إطلاق النار، غادر نحو 42 إلى 60 ألف حركي مع عائلاتهم إلى فرنسا، بينما بقي ما بين 130 و200 ألف في الداخل. وخلال أشهر قليلة، تشير التقديرات إلى مقتل ما بين 60 و80 ألفاً منهم ومن أقاربهم في عمليات تصفية محلية وثأر قبلي اتسم بعنف رمزي مرعب، كـ”الابتسامة القبائلية” (شق الشفاه لبث الرعب).
أما من نجوا ووصلوا إلى فرنسا، فلم يجدوا الفردوس المنتظر، بل وُضعوا في مخيمات معزولة وقاسية مثل Rivesaltes وBias، وعانوا من التهميش لعقود. ورغم اعتذار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2021 وإقرار قانون لتعويضهم، فإن الجرح ظل أعمق من أي تسوية.
ولم يقتصر المنفى عليهم؛ بل شمل أيضاً:
الأقدام السوداء (Pieds noirs): نحو 800 إلى 900 ألف مواطن من أصول أوروبية غادروا جماعياً تاركين كل شيء وراءهم.
اليهود: غادر نحو 130 إلى 140 ألف يهودي جزائري (مواطنون بمرسوم كريميو 1870)، لينتهي بذلك وجود تاريخي استمر قرابة ألفي عام، وتفقد الجزائر تنوعها الاجتماعي في لمحة بصر.
صراع الإخوة: ولادة الدولة من رحم جيش الحدود
لم يتوقف العنف عند تصفية الحسابات مع “أعوان الاستعمار”، بل امتد ليصبح صراعاً جزائرياً-جزائرياً على السلطة. فمع نهاية الحرب، برز “جيش الحدود” المتمركز بشكل أساسي في محيط وجدة بالمغرب بقيادة هواري بومدين وعبد الحفيظ بوصوف (جناح وجدة).
كان هذا الجناح أكثر تنظيماً وقوة من الولايات العسكرية الست التي قادت القتال في الداخل. وفي صيف 1962، تحول الخلاف السياسي إلى مواجهات مسلحة دامية بين رفاق الأمس، أسفرت عن مقتل الآلاف، وانتهت بفرض جيش الحدود سيطرته على العاصمة وحسم مسار الدولة الناشئة، لتولد السلطة من رحم هيمنة المؤسسة العسكرية.
الختام: معادلة لا تزال تطارد الحاضر
“تحررت البلاد من الاستعمار، لكنها لم تتصالح كليا مع انقساماتها الداخلية. وبين الحقيبة والتابوت، شعر كثيرون أنه لم تكن هناك طريق ثالثة”
عادت معادلة “الحقيبة أو التابوت” لتطل برأسها بعد ثلاثة عقود خلال العشرية السوداء (1991-2002)، حيث حصدت الحرب الأهلية أرواح ما بين 150 و200 ألف قتيل، في تجسيد آخر لعنف داخلي متجدد.
بعد أكثر من ستة عقود، ما زال هذا الشرخ التاريخي يختصر أزمة الذاكرة والهوية في الجزائر؛ حيث عاش من اختاروا “الحقيبة” مرارة المنفى والاغتراب، بينما عاش من بقوا تحت سطوة خوف رمزي أو جسدي، في وطن لا يزال يبحث عن مخرج وتصالح حقيقي مع تاريخه المركب.