السياسة ليست طريقاً إلى الثراء بل مسؤولية تجاه الناس

0

في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية، يزداد بين البعض الاعتقاد بأن السياسة قد تكون مدخلاً لتحسين الأوضاع المعيشية أو وسيلة لتحقيق مكاسب مالية وشخصية. غير أن هذا التصور المضلل يُفرغ العمل السياسي من جوهره، ويحوّله من ساحةٍ لخدمة الصالح العام إلى مسرحٍ للمصالح الخاصة والمنافع الضيقة.

فالسياسة في معناها الأصيل ليست مجالاً للإثراء أو الصعود الاجتماعي السريع، بل هي التزام أخلاقي ومسؤولية جسيمة تتطلب نزاهة وشفافية ومحاسبة. والسياسي الحقيقي هو من يضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، ويسعى لتدبير الشأن العام بعدالة وإنصاف، لا من يجعل من موقعه سلّماً لتحقيق مصالحه الخاصة أو تعزيز وضعه المادي.

عندما تُربط السياسة بالمال، تتولد عنها أخطر الاختلالات: تتراجع الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتتفشى الزبونية والريع، ويضعف الأداء لصالح الولاءات والمصالح الشخصية. مثل هذه الظواهر لا تضر فقط بسمعة العمل السياسي، بل تعرقل التنمية وتضعف قدرة الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية وبناء نموذج اقتصادي متوازن.

لقد أثبتت التجارب في مختلف الدول أن السياسة النظيفة لا تقوم إلا على قيم التضحية والاستقامة والمساءلة، وأن من يدخلها طمعاً في الثراء سرعان ما يجد نفسه في مواجهة المجتمع والقانون. فكما يقول الحكماء، “السياسة فنّ لخدمة الناس، لا فنّ لاستغلال المناصب.”

ومن هذا المنطلق، تبقى الأحزاب والمؤسسات التمثيلية مطالَبة بإعادة إحياء الخطاب السياسي، وتجديد روح الالتزام بالمصلحة العامة، من خلال تكوين نخب مؤهلة وواعية بحدود المسؤولية الأخلاقية والقانونية. كما يتحمل المواطن بدوره مسؤولية الوعي والمشاركة والمساءلة، لأن الإصلاح لا يأتي من انتظار المنافع، بل من العمل الجماعي الواعي والمستمر.

في نهاية المطاف، السياسة التي تنفصل عن خدمة الناس تفقد معناها، والسياسي الذي يسعى وراء المال يفقد احترامه وثقة مجتمعه. فالقيمة الحقيقية في السياسة لا تُقاس بما يجنيه المسؤول من مال، بل بما يتركه من أثر طيب وإنجاز صادق في حياة المواطنين.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.