الإجهاض بين النص والواقع

0

ذ. طارق بولكتابات
كان ولازال موضوع الإجهاض محل خلاف بين الفقهاء والأطباء والمفكرين ورجال القانون والساسة. فالفقهاء جعلوه بين مقياس التحليل والتحريم؛ والأطباء درسوه من حيث الأخطار التي تهدد صحة الأم وحياتها؛ والمفكرون عالجوه كظاهرة اجتماعية تؤثر على الأفراد والمجتمع. أما رجال القانون فحاولوا تطبيق النصوص في الواقع ويجتهدون في مواكبة تطور المجتمع؛ والساسة يناقشونه حسب أيديولوجياتهم وتوجهاتهم السياسية. لهذا فمن البديهي مقاربة الموضوع من جميع جوانبه: نظرة الفقهاء وخلافهم؛ رأي الأطباء والحقائق التي توصلوا إليها؛ ودراسات علماء الاجتماع حول ظاهرة الإجهاض.
في إطار السجال الدائر في المغرب خلال الآونة الأخيرة، طفا إلى السطح نقاش سال معه الكثير من المداد وأقيمت بسببه الندوات والمؤتمرات؛ وحتى الوقفات والمظاهرات.
في هذا الخضم طرحت إشكالية التطرق الى هذا الموضوع، فالمتتبع للواقع المغربي وما يحدث فيه من عمليات إجهاض؛ سواء ما هو مصرح به رسميا أو ما هو غير مصرح به، رسميا او ما هو غير مصرح به، يجد ان اشكالية الاجهاض تتخبط بين التشريع الاسلامي والقانون الوضعي والمواثيق الحقوقية الدولية وواقع.
مخفي هذا ما أدى الى محاولة تحيين القانون الجنائي ليواكب تطور المجتمع المغربي.وبمقتضى الفقرة الأولى من الفصل 455 عاقب المشرع بالحبس من شهرين إلى سنتين وغرامة من مائتين إلى آلفي درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل من حرض على الإجهاض ولولم يؤد هذا التحريض إلى نتيجة ما.
وهذه العقوبة واجبة كيفما كانت طريقة التحريض، وبغض النظر عن النتيجة التي أدت إليها، أي سواء وقع الإجهاض أم لا.في حين لا يعاقب المشارك إلا إذا نفذ الفاعل الأصلي الجريمة فعلا.
أما من باع أدوية أو مواد أو أجهزة أو أشياء، كيفما كان نوعها أو عرضها للبيع أو عمل على بيعها أو وزعها أو عمل على توزيعها بأية طريقة كانت مع علمه أنها معدة للإجهاض حتى ولو كانت هذه الأدوية أو المواد أو الأجهزة أو الأشياء المقترحة كوسائل فعالة للإجهاض غير قادرة عمليا على تحقيقه.
غير أنه إذا ما تحقق الإجهاض على إثر العمليات والأعمال المشار إليها في المقطع السابق فإن العقوبات المنصوص عليها في الفصل 449 من القانون الجنائي تطبق على القائمين بالعمليات أو الأعمال المذكورة،ما نعيشه اليوم من تحولات قيمية واقتصادية، كما الانفجار الجنسي الذي طلى الشوارع، يؤكد أن الرقم يرتفع أكثر فأكثر. فهذه التقديرات مرتبطة فقط بالإجهاض المؤسساتي (الذي يقع في المستشفيات والعيادات الخاصة). فإذا أضفنا إليها الإجهاضات بالطرق التقليدية فالأرقام ستكون مهولة.
هذا واقعنا المغربي الذي يجب أن نجد له حلا يوافق التوجهات الفقهية ويناسب التطور المجتمعي والحقوقي الذي وصل إليه العقل البشري. فعلاجنا للقضية ليس هو تعديل القانون الجنائي – فيما يخص فصول الإجهاض- من طرف المشرع المغربي فحسب، فالواقع بين وبالملموس أنه رغم التجريم تتنامى الظاهرة في العتمة، فالمنع في الاخير ينتج لنا أطفالا متخلى عنهم وأطفال شوارع يشكلون عبئا ثقيلا على الدولة مما يساهم بشكل غير مباشر في تعطيل عجلة التنمية والتقدم. والعلاج الحقيقي إنما يكون بالبحث عن علاج للظاهرة مجتمعيا قبل وقوعها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.